الحياة .. ميزان دقيق
- BBs

- Jul 4
- 1 min read

أيتها النفسُ القاصرةُ النظر، الجامحةُ في لهاثها خلفَ
زخارفِ الدنيا، رفقًا بي. لا تستعبدي بصرك، ولا تطلقيه أسيرًا بين ما في أيدي الناس، فإن العين إذا أُطلقت بلا بصيرة جرَّت العقل إلى المقارنة، والمقارنة تُورث الحرمان، حتى لو كان المرء غارقًا في النّعم.
إن أكثر ما يُتعب الإنسان ليس فقره إلى الأشياء، بل وهمُ أنه لا يكتمل إلا بما عند غيره. وما أكثر ما خدعت المظاهر الأبصار؛ فكلُّ نعمةٍ تُرى، وراءها ابتلاءٌ لا يُرى، وكلُّ حياةٍ تبدو كاملةً من بعيد، إذا اقتربت منها وجدت فيها من النقص ما لا يراه إلا صاحبها.
هذه سنةُ الوجود؛ فالحياة ليست مائدةً يجتمع عليها كلُّ شيء، بل هي ميزانٌ دقيق، إذا رُفع أحد كفتيه خفَّت الأخرى. وما من إنسان أُعطي كلَّ ما اشتهى، لأن الكمال ليس من طبيعة الدنيا، وإنما هو من صفات الآخرة. ولذلك خُلقت الدنيا ناقصةً؛ لتدلَّ بنقصها على الكمال الذي ليس فيها.
ألا ترى أنك لا تستطيع أن تتنفس وتبتلع جرعةً ماءٍ في اللحظة نفسها؟ لكلِّ فعلٍ أوانه، ولكلِّ نعمةٍ قدرها، ولكلِّ رزقٍ وقتُه الذي قدَّره اللّٰه بحكمةٍ قد تخفى على العقول، لكنها لا تغيب عن علمه سبحانه. ولو اجتمع للإنسان كلُّ ما يريد، لفسدت عليه حكمةُ السعي، وضاعت لذةُ الشكر، وانطفأ معنى الافتقار إلى الله.
غثق بربك ثقةً لا يخالطها شك؛ فما فاتك لم يكن إهمالًا، وما أُعطيته لم يكن مصادفةً، وإنما هو تدبيرُ الحكيم الذي يعلم ما يصلحك أكثر مما تعلم
